أحمد بن علي القلقشندي
334
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( صَفًّا ) * ( 1 ) لقد جمعت الدنيا أطرافها وأزمعت على المسير ، وجمعت الأمّة لهول المصير ، وزاغت يوم موته الأبصار : * ( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) * ( 2 ) . وبقيت الألباب حيارى ، ووقفت تارة تصدّق وتارة تتمارى ، لا تعرف قرارا ، ولا على الأرض استقرارا : * ( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرَى النَّاسَ سُكارى وما هُمْ بِسُكارى ) * ( 3 ) . ولم يكن في النّسب العباسيّ ولا في جميع من في الوجود ، لا في البيت المسترشديّ ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود ، ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود ، من تسلَّم إليه أمّة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عقد نيّاتها ، وسرّ طويّاتها ، إلَّا واحد وأين ذلك الواحد ؟ هو واللَّه من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار ، وتراث أجداده ولا شيء هو إلَّا ما اشتمل عليه رداء الليل والنّهار ، وهو ابن المنتقل إلى ربّه ، وولد الإمام الذاهب لصلبه ، المجمع على أنه في الأنام ، فرد الأيّام ، وواحد وهكذا في الوجود الإمام ، وأنه الحائز لما زرّرت عليه جيوب المشارق والمغارب ، والفائز بملك ما بين الشارق والغارب ، الراقي في صفيح السماء هذه الذّروة المنيفة ، الباقي بعد الأئمة الماضين رضي اللَّه عنهم ونعم الخليفة ، المجتمع فيه شروط الإمامة ، المتّضع للَّه وهو من بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة ، الذي تصفّح السّحاب نائله ، والذي لا يغرّه عاذره ولا يغيّره عاذله ، والذي ( طويل ) . تعوّد بسط الكفّ حتّى لو انّه ثناها لقبض لم تطعه أنامله والذي ( طويل ) . لا هو في الدّنيا مضيع نصيبه ولا ورق الدّنيا عن الدّين شاغله
--> ( 1 ) سورة الفجر 89 ، الآية 22 . ( 2 ) سورة العاديات 100 ، الآية 11 . ( 3 ) سورة الحج 22 ، الآية 1 .